ابن عجيبة
107
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
الأشجار في البحار لا تمنع السفن من التسيار ، فكذلك ظلال الكائنات لا تمنع سفن الأفكار من الخوض في بحار المعاني الأزلية الجبروتية ، بل تخرقها ، وتخوض في بحار الأحدية الجبروتية ، الأولية والآخرية ، والظاهرية والباطنية ، والعلوية والسفلية ، ولا يحجبها عن اللّه ظل شئ من الكائنات ، وإليه الإشارة بقوله : ألم تر ، أيها العارف ، إلى ربك كيف مد الظل ، أي : مد ظل الكائنات ؛ ليعرف بها كنز ربوبيته وبطون غيبه ، ثم يرفع ذلك الظل عن عين البصيرة ، التي أراد فتحها ، فتشاهد بطون الأزل وغيب الغيب ، وتصير عارفة بالله . ولو شاء لجعله ساكنا ، فيقع به الحجاب ، فيحجب العبد بسحب الآثار عن شهود الأنوار . ثم جعلنا شمس العرفان عليه أي : على الأثر ، دليلا ، فيستدل بالله على غيره ، فلا يرى غيره ، ثم قبضناه ، أي : ذلك الظل ، عن قلب السائر أو العارف ، قبضا يسيرا ، فيغيب عنه شيئا فشيئا ، حتى يفنى عن حسه وحس غيره من الكائنات ، فلا يشهد إلا المكوّن ؛ لأن ذلك إنما يكون بالتدرج والتدريب ، فإذا تحقق فناؤه رجع إلى شهود الأثر بالله « 1 » ؛ قياما برسم الحكمة ، وأداء لحق العبودية . وهو الذي جعل ليل القبض لباسا ، أي : سترا ورداء من الهفوات ؛ لأن القبض يغلب فيه السكون ، وجانبه مأمون ، والنوم - أي : الزوال - سباتا ، أي : راحد من كد التدبير والاختيار ، وجعل نهار البسط نشورا ، تنتشر فيه العلوم وتنبسط فيه المعارف ، إن قام صاحبه بآدابه ، ولا يقوم به إلا القليل ؛ لأنه مزلة أقدام ، ولذلك قال في الحكم : « ربما أفادك في ليل القبض ما لم تستفده في إشراق نهار البسط ، لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا » . وهو الذي أرسل رياح الواردات الإلهية نشرا بين يدي رحمته ، أي : معرفته ؛ إذ لا رحمة أعظم منها ، وأنزلنا من سماء الغيوب ماءا طهورا ، وهو العلم بالله ، الذي تحيا به الأرواح والأسرار ، وتطهر به قلوب الأحرار ، لنحيي به بلدة ميتا ، أي : روحا ميتة بالجهل والغفلة ، ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا ؛ لأن ماء المعاني سار في كل الأواني ؛ فماء التوحيد سار في الأشياء كلها ، جهل هذا من جهله ، وعرفه من عرفه . وأكثر الناس جاحدون لهذا . ولذلك قال تعالى : وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ ؛ فكل شئ فيه سر من حياة هذا الماء ، فأبى أكثر الناس إلا كفورا وجحودا له ، ولم ينتفع به إلا خواص أوليائه . وبالله التوفيق . ثم إن هذا الماء إنما يسقى على أيدي الوسائط . وكان القياس تعددهم كتعدد سحابات الأمطار بتعدد الأقطار ، لكن خولف ذلك في حق نبينا صلى اللّه عليه وسلم ؛ تشريفا لقدره ، وتعظيما لأمره ، كما أشار إلى ذلك بقوله : [ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 51 إلى 52 ] وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً ( 51 ) فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كَبِيراً ( 52 )
--> ( 1 ) إذن فهو فناء شهود ، وليس فناء وجود . فتنبه ، أعزك اللّه .